الشوكاني

445

فتح القدير

وجهان في العربية ، وإن كانت بعيدة : الأول أن الكسائي والفراء قالا : إن يهدي بمعنى يهتدى . الثاني أن أبا العباس قال : إن التقدير أم من لا يهدي غيره ، ثم تم الكلام وقال بعد ذلك ( إلا أن يهدى ) أي لكنه يحتاج أن يهدى ، فهو استثناء منقطع كما تقول فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع : أي لكنه يحتاج أن يسمع . والمعنى على القراءات المتقدمة : أفمن يهدى الناس إلى الحق ، وهو الله سبحانه أحق أن يتبع ويقتدى به ، أم الأحق بأن يتبع ويقتدى به من لا يهتدى بنفسه إلا أن يهديه غيره فضلا عن أن يهدى غيره ؟ والاستثناء على هذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال . قوله ( فما لكم كيف تحكمون ) هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين : أي أي شئ لكم كيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء لله ، وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ ، وكيف في محل نصب بتحكمون ، ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم ، وعلى أي شئ بنوه ، وبأي شئ اتبعوا هذا الدين الباطل ، وهو الشرك فقال ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) وهذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة - والمعنى : ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم بالله وجعلهم له أندادا إلا مجرد الظن والتخمين والحدس ، ولم يكن ذلك عن بصيرة ، بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله ، وأنها تشفع لهم ، ولم يكن ظنه هذا لمستند قط ، بل مجرد خيال مختل وحدس باطل ، ولعل تنكير الظن هنا للتحقير : أي إلا ظنا ضعيفا لا يستند إلى ما تستند إليه سائر الظنون . وقيل المراد بالآية إنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار به إلا ظنا . والأول أولى . ثم أخبرنا الله سبحانه بأن مجرد الظن لا يغني من الحق شيئا ، لأن أمر الدين إنما يبنى على العلم ، وبه يتضح الحق من الباطل ، والظن لا يقوم مقام العلم ، ولا يدرك به الحق ، ولا يغني عن الحق في شئ من الأشياء ، ويجوز انتصاب شيئا على المصدرية أو على أنه مفعول به ، ومن الحق حال منه والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه ( إن الله عليم بما يفعلون ) من الأفعال القبيحة الصادرة لا عن برهان . قوله ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه شرع في تثبيت أمر النبوة : أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج البينة والبراهين الواضحة يفترى من الخلق من دون الله ، وإنما هو من عند الله عز وجل ، وكيف يصح أن يكون مفترى ، وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم الذين هم أفصح العرب لسانا وأدقهم أذهانا ( ولكن ) كان هذا القرآن ( تصديق الذي بين يديه ) من الكتب المنزلة على الأنبياء ، ونفس هذا التصديق معجزة مستقلة ، لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ولا اتصل بمن له علم بذلك ، وانتصاب تصديق على أنه خبر لكان المقدرة بعد لكن ، ويجوز أن يكون انتصابه على العلية لفعل محذوف : أي لكن أنزله الله تصديق الذي بين يديه . قال الفراء : ومعنى الآية ، وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله - وما كان لنبي أن يغل - وما كان المؤمنون لينفروا كافة . وقيل إن " أن " بمعنى اللام : أي وما كان هذا القرآن ليفترى ، وقيل بمعنى لا : أي لا يفترى . قال الكسائي والفراء : إن التقدير في قوله ( ولكن تصديق ) ولكن كان تصديق ، ويجوز عندهما الرفع أي ولكن هو تصديق ، وقيل المعنى : ولكن القرآن تصديق ( الذي بين يديه ) من الكتب : أي أنها قد بشرت به قبل نزوله فجاء مصدقا لها ، وقيل المعنى : ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن ، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن . قوله وتفصيل الكتاب ) عطف على قوله ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) فيجئ فيه الرفع والنصب على الوجهين المذكورين في تصديق ، والتفصيل : التبيين ، أي يبين ما في كتب الله المتقدمة ، والكتاب للجنس ، وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام ، فيكون المراد بالكتاب : القرآن . قوله ( لا ريب فيه ) الضمير عائد إلى القرآن ، وهو